الفن في ظلّ السلطة: نقابة الفنون الجميلة في السبعينيات

تضطلع هذه المقالة في تاريخ نقابة الفنون الجميلة في سورية في سبعينيات القرن الماضي بوصفها أحد الفضاءات المركزية التي تشكّل فيها الحقل الفنيّ السوريّ في ظل حكم الأسد الأب، وتسعى إلى تحليل كيفية تداخل الخطاب القومي-الاشتراكي مع الممارسة الفنية والمؤسسيّة، وما نتج عن ذلك من توظيف للفن كأداة سياسية ومن مساحات تجاذب واحتكاك داخل المشهد الثقافي. من خلال تتبّع المعارض والخطابات والممارسات الفنية تسلّط المقالة الضوء على تعقيد هذا المشهد وتعدّد مواقعه بين الالتزام والتوظيف والنقد الداخلي.

تأسّست نقابة الفنون الجميلة في دمشق في العام ١٩٦٩ خلال موجة الإصلاحات التي اتبعتها قيادات حزب البعث بعد انفصال سورية عن الجمهورية العربية المتحدة. استلمَ إدارة النقابة المؤرخ عفيف بهنسي (١٩٢٨-٢٠١٧)، وكان أوّل أهدافها «استلهام التراث القومي، الفنون الشعبية، في تطوير الفن العربي ووضعه في مجرى الفن العالمي»[1] مؤكّدةً على «وضع الفن بكل مجالاته، في خدمة الجماهير الشعبية العربية، واستلهام قضاياها التحررية والقومية»[2] وذلك عبر فروعها في كل من دمشق وحلب وحمص. عُرف عن عفيف بهنسي دعمه للفنانين وحضوره القوي في المشهد الثقافي السوري الذي أغناه بالدراسات والمقالات التأريخيّة، ولكن أيضاً دخوله في العديد من النقاشات حول ضرورة الالتزام بفنّ ذي هوية اشتراكية رافضاً مبدأ الفن لأجل الفن ومشجّعاً الفنانين على الابتعاد عن الممارسات الفنية التي عَدَّها غربية أو غير نافعة للمجتمع، وحاثّاً على الانخراط في إبداع فنّ عربي أولاً و"وظيفي" و"أخلاقي" ثانياً. ففي مقال له من عام ١٩٦٥ بعنوان «الاشتراكية والفن»، كتبَ بهنسي، الذي كان يشغل منصب مدير قسم الفنون التشكيلية في وزارة الثقافة والإرشاد القوميآنذاك، عن أثر النُظم الاجتماعية على أشكال الحياة الإبداعية: «...صحيح أن العمل الفني هو فوق العمل المادي، بمعنى أنه يقوم على مقدرة خاصة وخارقة أحياناً، إلا أن هذا لا يعفي العمل المبدع من المسؤولية».[3] أكّد بهنسي مراراً أن الإبداع الفنيّ هو تعبير عن التقدم الحضاري وجزء من التنمية الوطنية، وأن «مردود العمل الاستهلاكي ينعكس زيادة حسابية في كمية الإنتاج، أما مردود العمل الفني فينعكس زيادة حضارية في تطورات التاريخ القومي» كما ورد في المقال ذاته. فبالنسبة إليه، يُوجَّه الإنتاج في النظم الرأسمالية نحو الربح، مما يغري الفنانين بالانشغال بالملذات السطحيّة أو بتحويل الفن إلى بضاعة استهلاكية صالحة للتسويق – مثل الـReady-Mades  – والتي تدرّ أرباحاً طائلة في الغرب.[4] ومن هنا، فإن الشرط الأول لفنّ اشتراكي هو تحرير الفنان من تلك «الأمراض التي تنتابه عن طريق الاستيراد والتقليد أو عن طريق التأزم النفسي أو التخيّل المريض».[5] بهذا التشبيه، يصف بهنسي الإبداع الفنيّ بالأمر الخطير ما لم يكن "سليماً"، مطابقاً للمعايير، وقابلاً للتوظيف السياسيّ.

الفن في ظلّ السلطة: نقابة الفنون الجميلة في السبعينيات - Features - Atassi Foundation

صفحة من كتيب الفنون الجميلة: نشرة غير دورية تصدرها نقابة الفنون الجميلة ١٩٧٢

الجدير بالذكر هنا أن هذا النمط من التفكير عن مهمّة الفن والفنان كان قد وجد صدى شعبياً عميقاً تحت ظل الخطاب البعثي الواصف نفسه بالاشتراكية، وقد عمل النظام الأسدي العسكريّ على تبنيه واستغلاله في لغة هويته الثقافية. فما لبثت النقابة في العام ١٩٧١ أن افتتحت قاعة رسمية برعاية اللواء ورئيس وزراء النظام الجديد عبد الرحمن خليفاوي (١٩٣٩-٢٠٠٩) [6] ثم دشنها مجدداً سنة ١٩٧٣ رئيس مجلس الوزراء محمود الأيوبي (١٩٣٢-٢٠١٣) باسمها الجديد «صالة الشعب» بمناسبة الذكرى السادسة والعشرين لتأسيس حزب البعث العربي الاشتراكي طارحة شعار «الفن للشعب الفن للجميع»[7]. كما أقامت النقابة المعارض المتجولة والندوات والاحتفاليات في مختلف محافظات القطر[8] تحت مسميات على غرار «معرض البطولات العربية ١٩٧٢» أو «معرض الكرامة ١٩٧٣» أو «معرض تحية إلى الثورة ١٩٧٣»، ومنها أيضاً المعارض المقامة في مديريات القطاعين الفلاحي والعمالي مثل معرض معمل الخمّاسين أو المعرض المقام في سدّ الطبقة على بحيرة الفرات[9] (بحيرة الأسد لاحقاً). إلى هذا قامت النقابة بإصدار نشرة غير دورية وصفتها ب«كشف حساب تقدمه للمواطن»[10] تشهد على نضالها النقابي، وتضع «أمام المسؤولين في الحزب والدولة المنجزات التي تمّت في عام»[11] موضّحة بالصور والأرقام جهودها في وضع الحركة الفنية في «إطارها القومي الصحيح ووضع الفنان العربي أمام مسؤولياته من أجل المساهمة في تحقيق أهداف الأمة العربية في البناء والتحرير».[12]

 

دُمج الكلام عن الفن في منشورات النقابة بالخطاب السياسي وصارت هي الجهة التمثيليّة الأبرز، مقدمةً نفسها كمتحدثة باسم الفن السوري الوطني، وأكدت أنها «أوجدت جمهوراً يتذوق الفن ويتابعه بجدية واهتمام خاص ... من خلال حوار مفتوح وصريح تتحقق من خلاله تطلعات جماهيرنا نحو فن هادف ... انطلاقاً من مسؤولياتها القومية والحضارية».[13] فصارت لغتها جزءاً لا يتجزأ من الخطاب الإيديولوجي الرسمي. أضف إلى ذلك تذكيرها المتكرر أنّها لم تبدأ بالازدهار وأداء دورها الحقيقي إلا في ظل الحركة التصحيحية التي أطلقها حافظ الأسد[14] وأنها قامت ب«ردم الهوّة التي كانت تفصل بين الفنان والمواطن».[15]

إلى ذلك، حرصت نقابة الفنون الجميلة على إقامة علاقات جيّدة مع اتحادات الفنانين ووزارات الثقافة في بلدان المعسكر الاشتراكي. ففي دمشق أقيم عام ١٩٧٢ معرضي الإعلان السينمائي البولوني والجيش الكوري وفي العام ١٩٧٣ معرض فن الحفر السوفييتي ومعرض فن الحفر من جمهورية ألمانيا الديمقراطية، وفي العام ١٩٧٥ معرض السجاد الجداري البلغاري المعاصر وغيرها من المعارض. كما استُقبلَ الفنانون من خارج القطر بموجب اتفاقيات تبادل فني مثل الاتفاقية المبرمة عام ١٩٧٦ بين نقابة الفنانين في سورية واتحاد الفنانين التشكيليين في ألمانيا الشرقية، والتي كانت إحدى نتائجها دعوة فنانين ودبلوماسيين ألمان من بينهم الفنان فالتر فوماكا (١٩٢٥–٢٠١٠) الذي رافق النقابة في زيارة إلى مرتفعات الجولان للاطلاع على انتهاكات الدولة الاسرائيلية، وهورست فايسه (١٩١٩–١٩٩٣) أمين السر العام لاتحاد فناني جمهورية ألمانيا الديمقراطية للإشراف على المعرض المشترك.[16] 

احتوت نشرات النقابة أيضاً على صور لمشاركة الوحدات والشخصيّات العسكرية في الفعاليات الثقافيّة، مثل زيارات اللواء مصطفى طلاس (١٩٣٢–٢٠١٧) ورفعت الأسد (١٩٣٧–٢٠٢٦) وأعضاء القيادة القطرية المتكررة للمعارض والندوات الفنية كما صور المسيرات المبايعة للرئيس بمشاركة بعض الفنانين الأعضاء في إشارة مبكرة إلى ولادة أيقونوغرافيا مدعومة رسمياً ستبقى جزءاً من المشهد العام السوري لعقود طويلة.

الفن في ظلّ السلطة: نقابة الفنون الجميلة في السبعينيات - Features - Atassi Foundation

صفحة من كتيب الفنون الجميلة، نشرة غير دورية من منشورات النقابة ١٩٧٢

في الواقع، إنّ جميع المنظمات والنقابات – سواء أكانت تابعة للفنانين أو المحامين أو الأطباء أو المهندسين أو الفلاحين أو المعلمين أو الاتحادات كاتحاد شبيبة الثورة واتحاد الطلبة والاتحاد النسائي ومنظمة طلائع البعث – قد أُلزمت من قبل قيادات الحزب بالمشاركة الدورية في مهرجانات الولاء لسلطة الأسد ومبايعته ك"خليفة للأمة". ومن خلال قوانين على رأسها قانون الطوارئ، تمّ تقييد نشاط المنظمات الشعبية بشدة وتهميش المجتمعات المدنية. فتوافقت شروط العضوية في النقابات مع العضوية في حزب البعث الحاكم و مع مبادئه، وعملت السلطة الجديدة على هندسة بنية اجتماعية جديدة، ينتمي فيها كل فرد، من المهد حتى اللحد، إلى منظمةٍ ما، تخضعه تلقائياً لرقابة الأجهزة الأمنية. استمر العمل على هذا المشروع، والذي وردت ملامحه في وثائق القيادة القطرية لحزب البعث القائلة بـ«الحكم الديمقراطي الشعبي» الذي يعني أن «تستلم الطبقات المنظمة في حزب ثوري ومنظمات شعبية مناضلة دفة الحكم وأن تعيد تنظيم السلطة السياسية في البلاد وأن تستخدمها لتحقيق الثورة»[17] كما أكدت وثائق الحزب على أن تكون «المنظمات الشعبية وجه الحزب، تدافع عن شعاراته وتوضح مواقفه ... يطرح الحزب من خلالها أهدافه وخططه على نطاق أوسع».[18]

نُظّمت في مكاتب النقابات الخطب العامة والمسيرات والاحتفالات في كل مناسبة وطنية. وزُيّنت مبانيها كما المباني الحكوميّة والخاصة بالشعارات الأدبية وصور "القائد المفدى". ولم تكن المسيرات الشعبية مجرّد عروض لتأييد الجماهير، بل وسيلة استعانت بها السلطة لفرض الانضباط والسيطرة: استعراض عام للقوة وتدريب جماعي على الطاعة، في ظل سياسة تُلزم الناس بالمشاركة والهتاف دون قناعة، كما حللت الباحثة في الشأن السوري ليزا ويدين في كتابها «غموض الهيمنة: السياسة والخطابة والرموز في سوريا المعاصرة».[19] حوّلت طقوس المبايعة التي طالت القطاع الثقافي وبخاصة الصور التي عُمل على نشرها السلطة من مفهوم مجرّد إلى واقع يومي ملموس.[20] ولطالما استغلت السلطة العسكرية مواهب الفنانين للترويج لصورتها فعمدت إلى توظيف الخطاطين والرسامين في إنجاز اللافتات وصور رئيس الجمهورية أو في إشغالهم في المكاتب الصحفية كمصممين لمجلات ولمنشورات تمجد منجزات ثورة الحزب. وخير مثال على ذلك قصة الفنان عمر حمدي المعروف بمالڤا (١٩٥٢-٢٠١٥)، الذي جرى تكليفه بالعمل رساماً لجريدة الفرسان الناطقة باسم سرايا الدفاع بقيادة رفعت الأسد. سبع سنوات كاملة قضـاها الفنان في مكتب المجلة، متجاوزاً مدة خدمته العسكرية، من دون تعويض أو سماح بنقل السكن، ومن دون أن تكون لأي جهة كانت، نقابة الفنانين مثلاً، صلاحية الدفاع عنه وعن أمثاله، قبل أن يهرب من سورية عام ١٩٧٨.[21]

الفن في ظلّ السلطة: نقابة الفنون الجميلة في السبعينيات - Features - Atassi Foundation

 نذير نبعة، أطفال بحر البقر، ١٩٧٠، ١٢٥x١٢٥ سم، زيت على قماش

اللوحة عرضت في معرض العشرة الذي نظمته نقابة الصحافة سنة ١٩٧٠

مصدر الصورة: موقع مؤسسة دلول للفنون.

كانت المشاركة في معارض النقابة وفي المعرض السنوي الذي نظمته مديرية الفنون الجميلة في وزارة الثقافة والإرشاد القومي كبيرة، وباتت هذه بدءاً من سبعينات القرن العشرين الفضاء الأساسي للفنانين السوريين في ظل تهميش المشهد الفني الخاصّ. حضرت أسماء بارزة مثل فاتح المدرّس (١٩٢٢–١٩٩٩) ومحمود حمّاد (١٩٢٣–١٩٨٨) ونذير نبعة (١٩٣٨–٢٠١٦) ونصير شورى (١٩٢٠–١٩٩٢) بشكل شبه دائم. وتم منح الجوائز لأفضل الأعمال المشاركة من قبل لجنة ضمت عضوين من هيئة أركان الجيش والقوات المسلحة أحدهما رئيساً، وعضوين  ممثلين لوزارة الثقافة، وعضوين من النقابة. وكان يترتّب بعد منح الجائزة النقدية لصاحب العمل الفائز انتقال ملكية العمل الفنيّ كاملة إلى القيادة العليا للجيش والقوات المسلحة بما فيها الحق ببيعه واستثماره.[22] وعلى الرغم من أنّ شعارات القومية العربية بدأت تفقد شيئاً من جاذبيتها لدى الكثيرين بعد هزيمة الجيش السوري أمام اسرائيل سنة ١٩٦٧، فقد ظلّ الخطاب الثقافي السوري – ومعه العديد من الأعمال الفنية – مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالقضايا القومية.

نذكر على سبيل المثال مبادرة فنانين من أعضاء النقابة مثل غازي الخالدي (١٩٣٥–٢٠٠٦) ونذير نبعة (١٩٣٨–٢٠١٦) وممدوح قشلان (١٩٢٩–٢٠٢٢) عقب قصف الطيران الاسرائيلي مدرسة ابتدائية في بحر البقر في مصر عام ١٩٧٠، إلى تقديم لوحات تعليقاً واحتجاجاً على الكارثة الإنسانية. أو تحويل النقابة لصالتها في شارع الفردوس في دمشق إلى ورشة عمل أثناء حرب تشرين التحريرية في عام ١٩٧٣ و افتتاحها لاحقاً لمعرض «المواطن والمعركة» في تشرين أول من العام ١٩٧٤ والذي اشترك فيه فنانون مثل ممدوح قشلان وغازي الخالدي وليلى نصير (١٩٤١–٢٠٢٣) ويوسف عبدلكي (١٩٥١) و عمر حمدي وبرهان كركوتلي (١٩٣٨–٢٠٠٣) وغيرهم، أو دعوة النقابة للفنانين إلى القيام برحلة إلى القنيطرة احتفالاً بتحريرها بعد حرب تشرين ١٩٧٣ التي خاضتها سورية ومصر ضد اسرائيل – والتي وسِمَت أيضاً بأحد إنجازات الحركة التصحيحية – فلبّى الكثير منهم الدعوة.

الفن في ظلّ السلطة: نقابة الفنون الجميلة في السبعينيات - Features - Atassi Foundation

صورة من كتيب معرض العشرة في دمشق ١٩٧١ تظهر عمل خزيمة علواني الجواد الجريح

حرصت النقابة على تقديم موضوعات تعتني بفكرة القومية العربية في معارضها. فتكررت مثلاً صورة المرأة فيها كتمثيل للوطن والحرية والأمة الجريحة والأرض الخصبة المسلوبة. على سبيل المثال، رسمها الفنان أنور دياب بجسد شبه عار تجلس متأمّلة وفي ذراعيها حمامة سلام في ما يظهر في صفحة الكتيب المطبوع بالأبيض والأسود كفضاء تجريدي مليء بالأشكال غير المتناسقة، وعَرضها في معرض النقابة لسنة ١٩٧٢. كما رسمها ممدوح قشلان في لوحته «لماذا؟» طفلة وبالغة، جسداً مقاوماً وحامياً، عيونها حمراء غاضبة، تقف خلف أجساد رجال سقطوا، مستعيراً ألوانَ التعبيرية القوية وأشكالها الهندسية المبسطة، وهي اللوحة التي شارك بها في معرض النقابة سنة ١٩٧١. قدم فاتح المدرس في المعرض ذاته لوحة أيضاً أطلق عليها اسم «فتاة من الجولان». كما كان مثلاً للحصان كرمز للعروبة حصة وافرة من الحضور في لوحات الفنانين السوريين. جاءت واحدة من أبلغ الصور على يد الفنان خزيمة علواني (١٩٣٤–٢٠٢٥) والتي عرضت لأول مرة في دمشق في معرض نقابة الصحافة عام ١٩٧٠؛ رسمٌ يظهر حصاناً عربياً جريحاً يصرخ مذعوراً، بعينين واسعتين متألمتين [23]. على ظهره رسم علواني امرأة وطفلاً في لحظة سقوط، يمدّان أيديهما إلى حمامة تطير بعيداً. استلهم العمل من «غيرنيكا» بابلو بيكاسو، لكن بروح عربية: الحصان كرمز لروح الأمة الجريحة، والمرأة-الأمّ كآخر أمل في مواجهة آلة الحرب. هو تعليق سياسي كما هو صرخة إنسانية كونية ضد الظلم والعنف. أرادت هذه الأعمال أن تجعل الكارثة مرئية صارخة، بما يتماشى بلا شك مع وظيفة الفن الإصلاحية.

الفن في ظلّ السلطة: نقابة الفنون الجميلة في السبعينيات - Features - Atassi Foundation

صفحة من كتيب معرض النقابة في العام ١٩٧٢ تظهر لوحة للفنان أنور دياب بعنوان فتاة تحب السلام

بينما يصعب على الباحث التحقق من الرأي السياسي لكلّ فنان، والأصعب من ذلك موقفه من السلطة، إلا أن النقابة التي رعتها قيادات حزب البعث استفادت بلا شك من المشاعر الوطنية المتأججة في السبعينات. ولا شك إلى ذلك أن معارضها لعبت عن طريق حثّ الفنانين على الانخراط بالخطاب السياسي وتشجيعهم دوراً في تشريع خطاب البعث في الداخل والخارج السوري. فكان مثلاً من أهم الفعاليات التي رعتها النقابة على الصعيد العربي «المهرجان العربي الأول للفن التشكيلي القومي» في عام ١٩٧١ بموجب قرار أصدره وزير الدفاع آنذاك مصطفى طلاس وبتكليف من رئيس الجمهورية حافظ الأسد. كان الهدف المعلن من هذا المعرض «تأكيد إسهام الفنان التشكيلي العربي في معركتنا ضد الاستعمار والصهيونية»[24]، انطلاقاً من «أهمية دور الفن معبراً عن نضال وتطلعات الأمة العربية» كما خُطط له أن يضم معرضاً عربياً يُختار فنانوه على أساس أعمالهم القومية، وعرض أفلام سينمائية عن العدوان وصمود الشعب العربي وزيارة مخيمات النازحين وندوة عامة عن الفن القومي.[25]

الفن في ظلّ السلطة: نقابة الفنون الجميلة في السبعينيات - Features - Atassi Foundation

صفحة من كتيب الفنون الجميلة نشرة غير دورية تصدر عن النقابة  ١٩٧٣

في الصورة الفوتوغرافية يظهر المؤرخ عفيف بهنسي وغازي الخالدي ومحمود حماد

المصدر: أرشيف الفن السوري الحديث

لكن كلمات الفنانين عن المهرجان أظهرت أسلوباً مختلفاً عن أسلوب الكلمات الرسمية. ففي كلمة للفنان السوري محمود حماد، وهو أحد المنظمين، دعوة إلى التفكير والتساؤل في تعبير "الفن القومي". ومن اللافت فيها تحذيره من المحاولات التي «تحدد مسيرة الفنانين وإلزامهم باتباع توجه معين» مُشيراً إلى مسميات مثل الفن العربي قائلاً:

«عندما يطلق مؤرخ، على مجموع ما أبدعته قرائح الفنانين العرب، تعبير (الفن العربي)، أو ما أبدعته قرائح الفنانين في شبه الجزيرة الإيبيرية تعبير (الفن الإسباني)، فقد أتت التسمية، بعد أن وجدت هذه الفنون، ووجودها لم يكن نتيجة برامج وضعت لها، ولكنها كانت التعبير الطبيعي عن آمال وأشواق أتت من خلال ثقافتها وروح مجتمعاتها المتعاقبة، وبشكل طبيعي، كما كان طبيعياً أن تناضل وتتكلم وتغني.[26]»

يشير تعليق حمّاد إلى التحذير من استعمال توصيفات مثل "العربي" أو "الأصيل" في سبيل تحويل العمل الفنيّ إلى أداة في مشروع، يُختزل فيه الإبداع إلى وظيفة تعبويّة ويتم سلبه حرية التعبير التي سعى إليها الفنان ورفاقه في العقدين السابقين. فيرى بذلك أن الفن لا ينشأ بالاستجابة لشعارات جاهزة، بل بالانغماس في التجربة الشخصية والبحث الحرّ في الشكل والمضمون، وأن التصنيف حسب الهويّة يطلق على القطعة الفنية بعد إنتاجها لأنه يعكس التجربة الإبداعية نفسها، ولا يُفرض عليها مسبقاً.

الفن في ظلّ السلطة: نقابة الفنون الجميلة في السبعينيات - Features - Atassi Foundation

ممدوح قشلان، لماذا؟، تظهر اللوحة في كتيب المعرض الأول لنقابة الفنون الجملية سنة ١٩٧١

مصدر الصورة: صفحة الفنان على فيسبوك

لكن رغبات العاملين في المجال الإبداعي تشابكت في تلك المرحلة دائماً بكلمات الخطاب السياسي. ولإلقاء الضوء على هذه الظاهرة لا بد من ذكر جهود الفنانين الأعضاء التي سبقت المهرجات وهم الذين عملوا على تحقيق حُلمٍ حَلم به الفنانون السوريون منذ سنين.[27] فمنذ العام ١٩٦٢ كان بعضهم يأمل بتنظيم مؤتمر عربي شامل، وتحقق لهم ذلك أخيراً في كانون الأول من عام ١٩٧١ عن طريق مؤتمر دعت إليه ونظمته نقابة الفنون الجميلة في دمشق تحت عنوان «المؤتمر العربي الأوّل للفنون الجميلة» بدعم من الحكومة السورية الجديدة التي أرادت على الأرجح تقديم نفسها كقوة ثقافية صاعدة في المنطقة وحامية لحلم الوحدة العربية، خاصة بعد وفاة الرئيس المصري جمال عبد الناصر. صاغ الفنانون العرب المشاركون في المؤتمر المنتظر قائمة من التوصيات للجامعة العربية جمعت بين الشعارات الوطنية ومطالب بحقوق نقابية جامعة وبعض المطالب التنظيمية. فأدانوا أولاً الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والاحتلال الإيراني للجزر العربية، وشددوا على دور الفن في البناء والتحرير في مواجهة الاستعمار والصهيونية والاستغلال. وأوصوا الجامعة العربية بإنشاء مقرّ رئيسي للاتحاد يضم قاعة معارض وقاعة محاضرات ومكتبة وأرشيفاً تتبع كلها للاتحاد. كما طالبوا بمنح الفنانين التشكيليين العرب حرية العمل والتنقل بين البلدان العربية، وبتخصيص وظائف بدوام كامل لهم، واعتماد تدريس الفن كمادة أساسية في المدارس، وإعفاء الأعمال الفنية المنقولة داخل الوطن العربي من الرسوم الجمركية. كما أوصوا الجامعة العربية ومنظمة التحرير الفلسطينية بتوثيق التراث الثقافي الفلسطيني وحمايته، وإنشاء متحف مخصص له يحميه من السرقة والتزييف الاسرائيلي.[28]

الفن في ظلّ السلطة: نقابة الفنون الجميلة في السبعينيات - Features - Atassi Foundation

غلاف كتيب المؤتمر العربي للفنون الجميلة المنعقد في دمشق

مصدر الصورة: أرشيف الفنان محمود حماد على منصة ماسا

أسفر هذا المؤتمر عن انعقاد المؤتمر الأول لاتحاد التشكيلين العرب في بغداد والذي قاد إلى تأسيس اتحاد الفنانين التشكيليين العرب ونُصِّب الفنان العراقي جميل حمودي (١٩٢٤–٢٠٠٣) رئيساً لهيئته التأسيسية[29] والفنان الفلسطيني اسماعيل شموط (١٩٣٠–٢٠٠٦) أميناً عاماً.[30] وكان الإنجاز الأبرز للاتحاد بعد تشكيله تنظيم معرض السنتين أو البينالي العربي الأول في بغداد عام ١٩٧٤ والذي شهد نجاحاً لافتاً، حيث ضم حوالي سبعمئة عمل فني بين نحت وتصوير وحفر وخزف بمشاركة كبيرة من نقابة الفنانين السوريين ولاقى نجاحاً باهراً. لكن بعد معرض السنتين الثاني في الرباط والثالث في ليبيا[31] وصل البينالي إلى نهايته.[32]

وللتأكيد على مركزية القضية الفلسطينية كقضية العرب أُعلن عن المقر الرسمي للاتحاد في مدينة القدس وتكون بغداد مقراً له فقط بسبب الظروف،[33] ما يؤكد أيضاً على رغبتهم في التعبير عن وحدة مبادئهم، وهو ما تقاطع وتناسب مع ما تبناه وسوّق له حزب البعث السوري دون كلل. ولو بدت بعض الشعارات الإيديولوجية للحزب بالنسبة للكثيرين مبهمة أو غير مقنعة، فقد ظلّ التوق لهوية واحدة والإيمان بإرث عربي غني وحضارة عربية متجددة حاضراً في عقول الأغلبية.

الفن في ظلّ السلطة: نقابة الفنون الجميلة في السبعينيات - Features - Atassi Foundation

 صورة من كتيب معرض الفنان يوسف عبدلكي في صالة الشعب سنة ١٩٧٦

تظهر العمل الفني (المشهد الحالي)، حبر صيني على ورق

لكن الاستغلال المفرط للموضوع القومي ولموضوع فلسطين خاصة في الخطاب الرسمي، لأغراض دعائية وتبريراً للإجراءات القمعية في معظم الأحيان، أثار لدى الجيل اللاحق من الفنانين نزعة من الغضب، وأدى مع مرور الوقت إلى تجنّب بعضهم لهذا الموضوع.[34] فلم يروا فيه تعبيراً عن التضامن مع شعب جريح، بل جزءاً من دعاية رسمية. لجأ بعض الفنانين إلى استخدام اللغة البصرية ذاتها ولكن لهدف معاكس: تقديم نقد مضاد. ومن أبرز هؤلاء الفنانين يوسف عبدلكي (١٩٥١)، الذي نظم في صالة الشعب التابعة للنقابة معرضاً تحت عنوان «الأحصنة والأحصنة المضادة». ففي عمله «المشهد الحالي» ١٩٧٨ تظهر في الجزء العلوي صورة حصان متوحش يكاد يبدو آلياً أو مدرعاً، بعضلات ومفاصل معدنية: لحمه ممزق، فمه يلتوي في ابتسامة جنونية، وعيناه مسعورتان. أما في الجزء السفلي فتظهر صورة معاكسة: كائن مذعور ومقيّد، يبدو وكأنه يخرج من العتمة أو كأنها تبتلعه. شَحنَت التباينات الحادة بين الأبيض والأسود، إلى جانب غياب التفاصيل، الأثر العاطفي للمشهد. أما عمله «أيلول» فيعرض كتلة من الأحصنة اندمجت أجسادها جزئياً بآلات الحرب، لتكوّن جسداً متشابكاً هائجاً في مشهد كارثيّ رهيب.دخل عبدلكي في هذا المعرض في منطقة ملغومة، إذ كان من الممكن أن يُدرج عمله تحت مظلة الخطاب الرسمي الموجه نفسه. لكنه استخدم الأدوات التي يدينها كي يوجه نقداً، سياسياً وفنياً، ليقوض رموز السياسة ويفجرها من الداخل.

الفن في ظلّ السلطة: نقابة الفنون الجميلة في السبعينيات - Features - Atassi Foundation

صورة من كتيب معرض الفنان يوسف عبدلكي في صالة الشعب

سنة ١٩٧٦ تظهر العمل الفني (أيلول ٢)، حبر صيني على ورق

تُظهر تجربة نقابة الفنون الجميلة في سورية كيف تشابكت خلال السبعينيات مشاعر الولاء القومي، وطموحات الفنانين، والهيمنة السلطوية لتنتج فضاءً ثقافياً متناقضاً: منحت النقابة الفنانين من جهة منصة للتعبير والابتكار والتواصل الإقليمي، ومن جهة أخرى، وظّفت أعمالهم والفعاليات التي شاركوا فيها في خدمة خطاب رسمي مسيّس، يُعيد تعريف الفن بوصفه أداة أخلاقية وقومية. لكن الأعمال التي خرجت عن التوظيف المباشر تُبيّن أن المشهد الثقافي السوري لم يكن موحداً أو نمطياً؛ بل كان متعدّد الأصوات، متشابك الهويات، ومتباين الاتجاهات بين الالتزام السياسي، والطموح الإبداعي، والنقد الذاتي، ما يجعل قراءة الفن السوري وبالتحديد هذا الحقل أكثر غنى وتعقيداً من مجرد وصفه بأنه مدعوم رسمياً أو تابعاً للسلطة. فالمشهد الثقافي السوري لم يُختزل في مجرد أدوات للدعاية، بل احتوى على مساحات مقاومة وتعبير داخلي قابلة للتمعن والتأويل.

الحاشية:

[1] أهداف النقابة، في: الفنون الجميلة، نشرة غير دورية تصدر عن نقابة الفنون الجميلة، دمشق، النقابة، ١٩٧٢، بلا ترقيم.

[2] المصدر نفسه.

[3]  عفيف بهنسي، الاشتراكية والفن، في: مجلة المعرفة، العدد ٤٣، دمشق، وزارة الثقافة، تموز ١٩٦٥، ص. ١١٢-١١٦.

[4] المصدر نفسه، هنا ص ١١٣.

[5] المصدر نفسه، هنا ص ١١٦.

[6] الفنون الجميلة نشرة غير دورية، ١٩٧٢، بلا ترقيم.

[7] الفنون الجميلة نشرة غير دورية، ١٩٧٣، بلا ترقيم.

[8] القطر العربي السوري هو المصطلح الذي استخدمه البعثيون في الداخل للإشارة إلى الدولة. والقطر هو جزء من وطن عربي أكبر.

[9] انظر/ي: الخالدي، أربعون عاماً من الفنون التشكيلية في القطر العربي السوري، ١٩٧١، ص ٣-١٣.

[10] الفنون الجميلة نشرة غير دورية، ١٩٧٢، بلا ترقيم.

[11] المصدر نفسه.

[12] المصدر نفسه.

[13] المصدر نفسه.

[14] كما جاء مثلاً في مقدمة نشرة النقابة لعام ١٩٧٢.

[15] المصدر نفسه.

[16] للمزيد حول هذا الموضوع انظر/ي: Kunst im Kampf für die das sozialistische Weltsystem: Auswertige Kulturpolitik der DDR in Afrika und Nahost، تحرير: كريستيان زاهرندت، شتوتغارت، دار النشر فرانز شتاينر، ٢٠١٧، ص. ١١٩–١٢٤.

[17] انظر/ي: في الديمقراطية الشعبية: سلسلة الإعداد الحزبي ١٠ (القيادة القطرية لحزب البعث، ١٩٦٦)، ص ٩٨، نقلاً عن: شمس الدين الكيلاني، مدخل في الحياة السياسية السورية: من تأسيس الكيان إلى الثورة، ٢٠١٧، الفصل ٦ ، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، إصدار كيندل، بلا ترقيم.

[18] انظر/ي: المناضل (مجلة داخلية لحزب البعث)، العدد ١٩ (آذار/مارس ١٩٦٨)، ص ٢٠، نقلاً عن: شمس الدين الكيلاني، مدخل في الحياة السياسية السورية، ٢٠١٧، الفصل ٦، بلا ترقيم.

[19] انظر/ي: ليزا ودين Ambiguities of Domination: Politics, Rhetoric, and Symbols in Contemporary Syria ، شيكاغو، جامعة شيكاغو، ١٩٩٩، ص ١٩.

[20] المصدر نفسه ، ص ١٩.

[21] محمود شاهين، عمر حمدي وعالمية المنجز البصري، في: مالفا عمر حمدي، تحرير: هناء داود وعرفان حمدي، دار التكوين للتأليف والترجمة والنشر، دمشق، ٢٠١٦، ص ٧٧.

[22] قرار الرئيس، في: المعرض السنوي الثاني العام لفناني القطر العربي السوري، كتيب المعرض ١٩٧٢، دمشق، وزارة الثقافة، ص ٢-٣.

[23] انظر/ي : فاطمة شعبان، خزيمة علواني: الإنسان العربي حصان جريح، منشور في الثلاثين من يناير ٢٠٠٦، تم الاطلاع عليه في ٢٤ فبراير٢٠٢٦

[24] الفنون الجميلة: نشرة غير دورية ١٩٧٢، بلا ترقيم.

[25]  المصدر نفسه.

[26] محمود حماد، رأي في الفن القومي، دمشق، نقابة الفنون الجميلة، ١٩٧٢. من غير المعروف ما إذا كان النص قد كُتب كرسالة أم كان كلمة افتتاحية ألقاها الفنان في المهرجان. النص متاح في أرشيف محمود حماد على  masaarchive.org، رابط: MASA | Archive، آخر فحص ٨/٦/٢٠٢٥.

[27] انظر/ي: عبد العزيز علون منعطف الستيات في تاريخ الفنون الجميلة المعاصرة في سورية  ٢٠٠٣ ، ص ٩١ - ٩٦.

[28] انظر/ي: توصيات المؤتمر العربي الأول للفنون التشكيلية، في: الفنون الجملية نشرة غير دورية، ١٩٧١، بلا ترقيم.

[29] رئيس الهيئة التأسيسية لاتحاد الفنانين التشكيليين العرب يتحدث عن اهداف الاتحاد ومشاريعه المقبلة: متى يعقد اول مؤتمر للفنانين التشكيليين العرب. في: الاذاعة والتلفزيون، مجلة نصف شهرية، العدد ٣٨، ٢٢ تموز ١٩٧١. بغداد.

[30] الفنون الجميلة نشرة غير دورية تصدر عن النقابة ١٩٧٣. بلا ترقيم.

[31] حسب مقالة ندى شموط Transregional Solidarity على موقع مجلة https://mezosfera.org/ في أيار ٢٠١٨. رابط: https://mezosfera.org/transregional-solidarity/ تم الاطلاع عليه في: ٨/١/٢٠٢٦.

[32] حنان نعومي، الذكرى الخمسون للبينالي العربي الأول في بغداد، ١٧ آذار ٢٠٢٤، على  elaph.com، رابط: الذكرى الخمسون للبينالي العربي الأول في بغداد ، وفريد الزاهي، البينالات العربية.. موت مبكر، ١٠ شباط ٢٠١٨، على  diffah.alaraby.co.uk، رابط: البينالات العربية..موت مبكر. وندى شبوط في Transregional Solidarity، تم الاطلاع عليها في: ٨/٦/٢٠٢٥.

[33] الفنون الجميلة نشرة غير دورية ١٩٧٣، بلا ترقيم.

[34] شارلوته بانك، The Contemporary Art Scene in Syria Social Critique and an Artistic Movement، ٢٠٢٠، روتليدج، نيويورك ولندن، ص ٦٩.